الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . وبعد:

لاشك أن طلب العلم من أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله عز و جل، ولذلك يقول الله تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدعو ويقول { وقل ربي زدني علما } فما سئلت الزيادة إلا في العلم وقال صلى الله عليه وسلم { فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة } ويقول صلى الله عليه وسلم { فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وكفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب } .

إذاً أيها الأحبة مجالس العلم لها ...

 

فضلها ولها مكانتها ولها آدابها التي ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم، فعن معاوية رضي الله عنه أنه خرج على بعض أصحابه وهم يجلسون متحلقين فقال: ما الذي أجلسكم؟ قالوا: جلسنا لنذكر الله ونحمده، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ ثم قال: أما إني لم أسألكم تهمة لكم ولكنا كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علينا فسألنا مثل ما سألتكم فقلنا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك ، فقال:{ إن جبريل أتاني يخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة } .

هذه المجالس ليست كسائر المجالس، هذه المجالس لها قيمتها ومكانتها، قال صلى الله عليه وسلم { ما جلس قوم في مجلس يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله في من عنده } .

هذه المجالس هي طريقك إلى الجنة بإذن الله تعالى إذا صلحت النية وصلح الإتباع، قال صلى الله عليه وسلم { من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة }.

لذلك كان لابد على طالب العلم الصادق في طلبه أن تكون له شخصية متميزة عن باقي الناس و أخلاق متميزة عن باقي الناس.

الذي دعاني لهذا الحديث أهمية هذا الموضوع لأنه قد يغيب عن كثير من الإخوة أن آداب طالب العلم لها علاقة وطيدة بحفظ القرآن الكريم، وأنه ينبغي أن يكون نموذجا في كل شيء وخاصة أدبه وسلوكه، ذلك لأن لآداب العلم علاقة وطيدة في حفظ القرآن وإتقانه وأنه قد يحجب القرآن عن الإنسان بسبب سوء أدبه ، لذلك لما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم هو صفوة البشر وسيد العلماء والمعلمين، كان من أهم صفاته أنه على خلق عظيم، فقال تعالى {  وإنك لعلى خلق عظيم } وقال صلى الله عليه وسلم { أدبني ربي فأحسن تأديبي } .

لكن السؤال كيف يحجب القرآن بسبب سوء الأدب ؟!!!

قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون }، أنظر لعاقبة سوء الأدب إحباط العمل وبدون أن يشعر الإنسان، يا إخواني سوء الأدب يؤدي إلى ذهاب بركة العلم، لذلك إذا خرجنا من المقرأة حفظة لكتاب الله عندهم الأدب مخدوش لم نقم بالرسالة كاملة، نريد أن نخرج حفظة لكتاب الله العظيم وقد زينوا بالأدب.

الله عز وجل ما خلقنا وتركنا بل خلقنا وأعطانا منهج قويم وسديد في كل حركة و كل كلمة ليكون الإنسان نموذجا للبشرية يقتدي به، فكيف بصاحب العلم القرآن ؟!!!

لابد أن يكون العلم مقرونا بالأدب [ وإلا كان كالنار بلا حطب ] لا وقود فيها ولا تأثير، يقول ابن المبارك لمخلد بن الحسين: [ نحن إلى كثير من الأدب أحوج إلى كثير من العلم أو الحديث ] إذا التأدب مع أهل العلم والمشايخ وأهل القرآن والفضل أولا، وكانت أم مالك بن أنس رضي الله عنهم توصيه وتقول:[ اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه ] .

وهناك آداب كثيرة ينبغي للمتعلم أن يتأدب بها وأن يزين نفسه بها وهي آداب شرعية منها :

1. أن يكون مخلصا في طلبه وعلمه لله سبحانه وتعالى لا يبتغي به لا سمعة ولا رياء ولا متاع ولا صرف لوجوه الناس ؛ لكن هناك خطوات من الشيطان في هذا الباب، وهي أن الإنسان يأتي من البداية مخلصا فإذا تقدم في العمل وبدأ الناس يثنون عليه ويمدحونه قال له الشيطان: أنت مرائي وغير مخلص . لا بل هذا من عاجل بشرى المؤمن، إذا بدأ العمل بإخلاص وجاءته مثل هذه الوساوس لا يترك العمل أبدا حتى لو طرأ على العمل انحراف في النية فإنه لا يترك العمل بل يصحح النية ويستغفر ويواصل العمل ولا تظنون أن الإنسان المخلص لا يأتيه ثناء ومدح بل سيأتيه لكنه لم يسعى إليه .

2. أن يكون مطبقا لما يتعلم ولما يعلم وهذه النقطة خطيرة جدا خاصة عند أهل القرآن لأنهم يحفظون القرآن والقرآن كله أدب لا تجد فيه كلمة نابية أبدا ولا كلمة فاحشة ولا كلمة تثير الغريزة ومن مدحه القرآن أصبح في أعلى الدرجات ومن ذمه القرآن أصبح في أسفل الدركات 

لذلك ينبغي أن يكون طالب العلم وحافظ القرآن أن يطبق ما تعلم وما يعلم قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} كيف يكون الإنسان حافظا للقرآن وليس مطبقا له يقول صلى الله عليه وسلم {يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه } عياذا بالله .

3. أن يكون محافظا على دينه في أركانه وواجباته ونوافله وسننه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر قائما بحدود الله .

4. أن يكون بعيدا عن الذنوب والمعاصي وعن أماكنها وأماكن الشبهات فيها، يظهر عليه الصلاح متذللا خاشعا باكيا، كثير الذكر لله تعالى كثير التهليل والتحميد والتكبير، كثير الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسارعا في أبواب الخير والطاعات منافسا عليها وبأعلى الدرجات .

5. أن يكون محبا لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم جميعا والتابعين وعلماء الأمة وطلاب العلم وأهل القرآن وتكون محبة ظاهرة واضحة .

6. أن يكون زاهدا في الدنيا ومتاعها وزخرفها غير مباليا بها .

7. أن لا يكون عنده غل أو حقد أو حسد بل يحب الخير للمسلمين والنفع لهم .

8. أن يكون ورعا تقيا نزيها عفيفا متعففا طيب النفس كريم جواد .

9. أن لا يكون مغرورا أو معجبا بنفسه .

10. أن يجعل الفضل بعد الله عز وجل للمعلم و العالم وهذه الفقرة تجعل الطالب يحافظ على معلمه .

ومن أهم آداب طالب العلم الخاصة به في درسه وفي حالات درسه، آداب قبل أن يأتي للدرس، وإذا أتى، وإذا دخل للدرس، وإذا جلس، وإذا تكلم، وإذا خرج من الدرس :

1. إذا جاء للدرس يأتي قبل المعلم وإذا انصرف ينصرف بعده . لأنه إذا أتى بعد المعلم يدل ذلك على عدم اهتمام بالدرس وعدم اهتمام بالمعلم، وكذلك الانصراف قبل المعلم لأنه يدل على مستغن عن الدرس أو مستكبر و العياذ بالله . ومن سلبيات التأخير أو الانصراف قبل انتهاء الدرس أنه لا يعرف بركة المجلس في أوله أم في آخره، قد يكون هناك ملاحظة أو توجيه في بداية الدرس يفوت على المتأخر، وفي النهاية قد يسأل إنسان سؤال لم يكن المنصرف حاضرا فيسمع الجواب .

2. عدم التغيب عن الدروس، فإذا كان التأخر عن الدرس له سلبيات على الطالب فكيف بالغياب،إذا كان المتأخر قد تفوته بعض الفوائد فإن الغائب تفوته كل الفوائد خاصة إذا كانت الدروس متتالية ومرتبطة ببعضها . ومن سلبيات الغياب أنه يعني عدم الانضباط وهذا يخالف منهج المقرأة "منهج المقرأة هو تحويل العلم إلى عمل تراه واقعا في حياتك حتى تلقى الله" .

3. إذا دخلت أنت والمعلم أو خرجت أنت والمعلم لا تحاول أن تسبقه ولا أن تتقدم عليه إلا إذا أذن لك بذلك، لأن ذلك توقير له واحتراما له .

4. إذا جاء الطالب للدرس ولم يجد الشيخ ما هو الأدب في هذه الحالة؟!! الأدب ألا تستعجله، تجلس في مكانك حتى إذا آيست من مجيئه انصرف، ثم إذا قلقت عليه بعد طول الانتظار و اليأس من مجيئه وبعد انصرافك فسأل عن الشيخ وعن حاله، ولكن لا تستعجله .

5. من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم أن يقدم بين يدي الدرس بعض الطاعات [يتصدق بصدقة، يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، وهكذا ......] مثل هذا يكون لك بركة ولمعلمك . ورد عن بعض السلف أنه كان يتصدق بصدقة قبل أن يأتي للدرس ويدعو قائلا: [اللهم انفعني بعلم شيخي واستر عيوبه عني] .

6. إذا تأخر الطالب ووجد الشيخ موجودا في الدرس فهناك عدة أمور:

• إن كان الشيخ يتكلم لا تقاطعه، وتجلس في منتهى المجلس أو في مكانك المخصص لك

• إذا كان الشيخ لا يتحدث تسلم على الموجودين وتخص الشيخ بتحية خاصة يعني مثل [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فإذا جلست بعد إذن الشيخ تقول:كيف حالك يا شيخ وتدعو له، هذا مما يدخل الأنس على الشيخ ويجعله ينسى تأخرك أو يتجاوز عن ذلك .

• إذا أراد الطالب أن يصافح في مجالس أهل العلم فإنه يبدأ بمصافحة الشيخ أولا ثم عن يمين الشيخ إذا أذن لك وإن لم يأذن لك تتوقف وتجلس من مصافحة الشيخ إذا لم يأذن تجلس مباشرة لكي لا تقطع الدرس .

• من الآداب ألا يجلس حتى يأذن له الشيخ " يروى أن الإمام أحمد ويحيى بن معين قاموا عند أبي قطان من الظهر إلى العصر لم يأذن لهم بالجلوس لأنه لم يكن منتبها لهما ولم يجلسا من الظهر إلى العصر، أنظر للأدب .

7. ومن الآداب أنه إذا جلس الطالب أمام الشيخ يجلس جلسة المتعلم لا يجلس جلسة المستكبر والمستأنف ويقبل على الشيخ بوجهه لا يعطيه جنبه ولا يشتغل بنفسه ولا بغيره .

8. إذا أراد الطالب أن يسأل يسأل بعد أن يسكت الشيخ أو يطلب الشيخ من الطلاب الأسئلة و الاستفسار لا يسأل و الشيخ يتحدث، وإذا سأل لا يسأل سؤال جاف لكن يقدم بين يدي سؤاله كلمات طيبه وعبارات ترفق وتلين مشاعر الشيخ وقلبه مثل:"غفر الله لك، عفا الله عنك، حفظك الله، بارك الله فيك "

9. إذا سأل يسأل سؤال استفسار لا يسأل سؤال اختبار أو تعجيز أو ليظهر أنه أعلم من الشيخ – إذا كنت أعلم منه تأتي تتعلم عنده لماذا ؟!! .

10. يقول معاذ بن سعيد كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه –يعني خطأه أو صحح له أو داخله- فقال عطاء: سبحان الله ما هذه الأخلاق ما هذه الأحلام إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه فأريه من نفسي أتي لا أحسن منه شيئا .

11. يقول خالد بن صفوان: [إذا رأيت محدثا بحديث قد سمعته أو مخبرا بخبر قد سمعته فلا تشاركه فيه] .

12. ومن الآداب المهمة أن يوقر الطالب شيخه ويجله في كل الأوقات و الأماكن. يقول صلى الله عليه وسلم : { ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا قدره } .

13. ومن الآداب ألا يتربص بشيخه الدوائر والزلات والهفوات بل يكون ساترا عليه مدافعا عنه ملتمسا له العذر .

14. ومن الآداب إذا تكلم مع الشيخ ألا يتكلم بأسلوب الندية والمواجهة لا يقول مثلا: [أنت قلت كذا وأنا أرى كذا ] هذا سوء أدب عياذا بالله .

15. ومن الآداب ألا يمل الطالب من درس الشيخ ولا يتثاءب ولا ينظر في الساعة ولا يظهر حركات تدل على أنه قد مل من الدرس ولا يقول طالت المدة .

16. ومن الأدب أن يذب عن عرض الشيخ في حضرته وفي غيبته فإذا جلس في مجلس يساء فيه لشيخه فإما يدافع عنه وإما ينصرف .

17. كذلك إذا هناك طعام أو شراب لا يبدأ قبل شيخه إلا إذا أذن له .

18. إذا تكلم مع الشيخ يتكلم على حاله فإن كان الشيخ واقفا يقف وإذا كان الشيخ جالسا يجلس .

19. أن يصبر على قسوة الشيخ وجفوته .

20. قال علي رضي الله عنه: [ من حق العالم عليك أن تسلم على الناس عامة وأن وتخصه منهم بتحية،وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينك غيره، ولا تقول: فلان قال خلاف قولك، ولا تغتابن عنده أحد] . ويقول: [ من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال ولا تعنته في الجواب ولا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تفشي له سرا ولا تغتاب عنده أحد فإن العالم بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء .

21. ويقول الحسن بن علي لابنه: [ يا بني إذا جلست مع العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع حتى تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثه وإن طال عليك] .

هذا والله تعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

دخول الأعضاء

الأكثر قراءة

كتاب تجربة المقرأة

جميع الحقوق محفوظة لموقع مقرأة الحفاظ الأولى 1431 هـ