كتبه الشيخ / علي بن أحمد باقيس             ( عضو المجلس الاستشاري للدورة الصيفية)

البيت هو المكان الذي ينظر إليه الإنسان كمأوى له ولأفراد أسرته ومن يعيشون معه، يخلد إليه للراحة، ويجد فيه حياته الاجتماعية، فهو حياة أخرى يعيش فيها ويتمتع بنعيمها، ولا يمكن للنعيم في البيت أن يكتمل، ولا للأٌنس أن ينتشر إلا بوجود كتاب الله عز وجل في أرجاء ذلك المنزل، تُرتل آياته آناء الليل وأطراف النهار، ويَعمل بما جاء فيه من جميع أفراد الأسرة .

ولقد كان منزل النبي صلى الله عليه وسلم عامراً بكتاب الله تعالى وتلاوته، وهو ما امتن الله به على أمهات المؤمنين في قوله تعالى:( واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيرا) الأحزاب:  (34)، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل بالقرآن، ويتلو آياته أطراف النهار.

 

ولأهمية القرآن في حياة الأسرة فقد رضيه صلى الله عليه وسلم مهراً لمن لا يملك مهراً للنكاح من أصحابه، فقد عرضت امرأة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فسكت ولم يجبها، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، وعندما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك شيء تصدقها إياه؟ لم يجد عنده شيء، حتى سأله: هل عندك شيء من القرآن ؟ قال : نعم، سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا، فقال صلى الله عليه وسلم: قد زوجتكها بما معك من القرآن.

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مهراً للزواج لما للقرآن من أثر صالح على هذه الأسرة في حاضرها ومستقبلها.

ومن بركة القرآن على البيت والأسرة أن فيه طردا للشيطان من البيت، إذ هو العدو اللدود الذي يفسد صفو البيت، ويثير العداوة والبغضاء، ويأز على فعل المعاصي والآثام، يقول صلى الله عليه وسلم : " لاتجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" رواه مسلم.

كما إن للقرآن الأثر الكبير في تحصين أفراد الأسرة وحمايتهم من العين و الحسد، والمس والسحر، والأنفس الشريرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين بقوله:" أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة"، فلما نزلت المعوذتين، اصبح يعوذهما بهما.

وما زال السلف الصالح من بعهده صلى الله عليه وسلم يعتنون بأن يعمروا بيوتهم بتلاوة القرآن والعيش معه، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن في كل يوم مرة، بل إنه قتل في بيته والمصحف بين يديه.

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقسم الليل بينه وبين زوجه وابنته ثلاثة أثلاث، كل واحد يقوم من الليل ثلثه مصلياً لله وتالياً لكتابه سبحانه، ثم يوقظ الآخر ليكمل القيام.

وهذا نافع رحمه الله يسأل عن حال ابن عمر عندما يكون في بيته، فقال: لا تطيقونه، الوضوء لكل صلاة، والمصحف بين ذلك.

ولما حضرت الوفاة العابد الزاهد عبد الله بن إدريس بكت عليه ابنته، فقال لها: لا تبكي على أبيك، فلقد ختم المصحف في هذه الزاوية من البيت أربعة آلاف مرة.

إنه القرآن الذي عمروا به بيوتهم، فسُمع لهم به دوي كدوي النحل، وعمروا به قلوبهم فكانوا به عظماء الدنيا، وعمار الآخرة.

والحمد لله رب العالمين.

الأكثر قراءة

كتاب تجربة المقرأة

جميع الحقوق محفوظة لموقع مقرأة الحفاظ الأولى 1431 هـ